محمد أبو زهرة
1805
زهرة التفاسير
تقتل ، ومع ذلك لم يفرق في الحكم مالك إمام دار الهجرة بين الأمرين ، ما دام قد ثبت العدوان والقصد إلى القتل . وإن الجزاء الأخروى صارم قاطع ، فهو جهنم والمكث فيها على الدوام ، إن كان قد استباح ذلك ، ولم يؤمن بحرمته ، ولم يتب عن جريمته ؛ ولا نجد قاتلا يقتل غيره إلا وهو مستحل لدمه مستبيح له ! أفلا يستحق بهذا أن يخلد في النار ما لم يتب ويقدم رقبته ، أو يعفو عنه أولياء المقتول ؟ والمعتزلة الذين يقولون : إن مرتكب الكبيرة ليس بمؤمن ويخلد في النار ، يستدلون بهذه الآية . ونحن نقول : إن خلوده في النار ليس لمجرد الفعل ، بل لاستباحة القتل ، وإنكاره التحريم . ولا يوجد قاتل عند ارتكابه تلك الجريمة التي تعد أكبر جريمة في الوجود ، لا يستبيح فعله ، فكانت العقوبة على الاستباحة ، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول فيما يروى عنه : « لزوال السماوات والأرض أهون عند الله من قتل امرئ مسلم بغير حق » « 1 » . وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذاباً عَظِيماً هاتان عقوبتان معنويتان ، وثالثة مادية ، أما المعنويتان فهما الطرد من رحمته الذي عبر عنه سبحانه وتعالى بقوله « ولعنه » ، وأي عقوبة أعظم من الطرد من رحمة الله تعالى ، ونفحاته القدسية ، ووادى رحمته المشرق المنير ؟ والعقوبة المعنوية الثانية هي غضب الله تعالى ، وغضب الله من أشد عقابه ، كما أن رضوانه أعظم ثوابه ، وكيف لا يغضب رب العالمين من يهدم ما بناه سبحانه في خلق الإنسان الذي سواه وعدله في أحسن تقويم ؟ ! . وأما العقوبة المادية ، فقد أشار إليها سبحانه وتعالى بقوله : وَأَعَدَّ لَهُ عَذاباً عَظِيماً ، وهذه إشارة إلى عظم الجريمة ؛ لأن العقوبة العظيمة لا تكون إلا لجرم عظيم ، وأي جرم أعظم من هدم بناء الإنسان الذي سجد له الملائكة ، ولعن من
--> ( 1 ) رواه بهذا اللفظ الترمذي : الديات - ما جاء في تشديد قتل المؤمن ( 1395 ) عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه مرفوعا وموقوفا وقال : والموقوف أصح من المرفوع ، كما رواه النسائي : تحريم الدم - تعظيم الدم ( 3987 ) مرفوعا .